|
Mtanios Naassy - Harf Zaed

Bazbina, Akkar. 16 April,
2007.
During my stay in Bazbina
during the Easter holiday in April 2007, I met a lot of our friends and
relatives who converge to the village to spend the spring holidays. It
was a great time of the year: coming together in such a beautiful spring
setting with flowers blooming and greenery everywhere. The snow is
glittering from atop the fields of Ain El Sukkar, a clear sky filtering
the golden sun rays and a chilling fresh air. What a change from the
depressing city environment.
It was then I met Mtanios
Naasy and his family who came, as usual, from Beirut to Bazbina to spend
few days in their village with the family. Mtanios presented me with a
copy of his newly signed book under the title "Harf Zaed".
I have posted below Mtanious'
pictures with friends and family. They were taken at the Press Club of
Lebanon in Beirut during the book signing ceremony. Also, I have posted
the first two chapters of the mentioned book together with their English
translation.
Contact
Mtanios at:
+961-3-306312
MNAASSY@hotmail.com
-----------------------------------------------------------------------------------


During the book signing:
Nabil Ghosn, Grace Baaklini, poet Maroun Karam, book author Mtanios
Naassy, wife Liliane Elia Naasy and Youssef Hwayek.

Mtanios Naassy with wife
Lilian and son Ceasar.
من بزبينا
وُلد
مطانيوس قيصر ناعسي (طوني) في "عين يعقوب"، شمال لبنان. عاش طفولته في
"بزبينا" مسقط رأس والدته، ودرس في مدرستها، إلاّ أنَّه لم يُنه المرحلة
الابتدائيَّة فيها بسبب انتقاله والعائلة إلى بيروت. أكمل دراسته في مدرستي
"الجاردن سيتي" و "الحكمة" قبل أن يلتحق بكليَّة الآداب فرع الأدب العربي
في الجامعة اللبنانيَّة.
من كتاباته:
الكلّ
يفكّر والكلّ يحلّل، لكن هنيئاً لمن يستطيع ترجمة ما يجول في خاطره شفهياً
أو خطياً.
فربّ
أفكار وتحليلات قيّمة يكتنفها عقل لا وسيلة أو طاقة لديه للتعبير عنها،
فتحيا فيه، وتموت بموته، ولا يعلم أحد بها، وتلك خسارة ولا أكبر تعاني منها
البشريّة منذ وجودها. فملايين المفكرين زاروا هذه الدنيا ورحلوا عنها من
دون أن ندري بهم، كونهم افتقروا، بطريقة أم بأخرى، إلى وسيلة اتصال ينقلون
إلينا آراءهم بواسطتها.
إنّ ما
نعرفه اليوم من فكر، وأدب، وفلسفة، وعلم، هو عصارة آراء الفصحاء من
المفكّرين وليس آراء كل المفكرين الذين جاد الزمان بهم.
لذا فمن
واجب كلّ من يملك أبسط وسائل التعبير والاتصال، أن يضع أفكاره في تصرّف
غيره من الناس، وأن يترك لهم أمر بتّ جدواها أو عدمه.
فنحن نعيش
اليوم عصراً لا أسوار لمنزله ولا حيطان ولا أبواب. سكّانه مكشوفون على جميع
أنواع العواصف والأنواء الهدّامة، وهم إن لم يتدثّروا باستمرار، وعلى
الدوام، بما يقيهم شرّ ما يرونه ويسمعونه ويشعرون به كلّ يوم، فلسوف يسقطون
ضحايا تلك العواصف والأنواء. فالسمّ بالسمّ يعالج، وفي الداء يكمن الدواء،
لا بدفن الرأس أو الاختباء.
_____________________________________________________
رأي للمفكّر والأديب جورج جرداق في الكاتب وكتاباته:
في قلب
هذا الضجيج الفارغ الذي يجتاح المجتمعات الاستهلاكية حيث تُعهِّرُ
التكنولوجيا العواطفَ وتزيّفُ الطبائعَ لتقدُّمِها تقدُّماً سريعاً لا
يواكبه تقدُّمٌ فكريٌّ وأخلاقي، وحيث يُفسدُ المالُ الضمائرَ ويشوّهُ
مفهومَ الحياة ويميلُ بالمشاعر والتطلّعات إلى ما يُفكّكُ بنْيةَ المجتمع
وما تَبَقَّى فيه من علاقاتٍ طيبة بين الأهلين والأقربين، لا يزال في الناس
مَن يُصغون إلى أصواتٍ داخليّةٍ حميمةٍ تعبّر عن إنسانيةٍ دافئة، وليس
هنالك ما هو أدلّ على هذه الإنسانية من أن يُطلّ الإنسانُ على الحياةِ
الخاصّةِ والعامّةِ مِن أفق الوجدان والإيمانِ بقدسيّة الحياة وتحسُّسِ
آلام الآخرين.
مِن هؤلاء
الناس مَن لا يكتفون بالعطف على الآخرين عطفاً صامتاً وغيرَ فاعل، ولا
يقفون من الصراع بين الخير والشر موقفَ المتفرّج، بل يُفصحون عمّا في
نفوسهم من خلال الكلمات، وقديماً قال شاعر المسرح الإغريقي الأكبر
سوفوكلوس: "بالكلمات سنغيّر العالم ونُصلح ما فَسُدَ من أحواله!".
هؤلاء لم
تقدر عليهم رياحُ التمزّق والغربة عن الذات الإنسانية، وقد ملأهم الحنين
إلى عالمٍ صادقٍ طاهرٍ يشعر فيه الإنسانُ بأنَّ سعادته لا تكتمل، بل لا
تكونُ أصلاً، إلاّ بسعادة الآخرين، ومنهم أبطال هذه الرواية الذين تتّقد
فيهم المشاعر الكريمة فلا يحيا بعضهم إلا بحياة بعضهم الآخر. أمّا المؤلف
فيبدو، مِن خلال هذه الرواية، أنّه من أصحاب المروءات الذين يتملّكهم ميلٌ
جارفٌ إلى تحقيق إنسانيتهم بتعظيم القيَم الأخلاقية والدعوة إليها، وبالكشف
عن الجمالات الإنسانية في مسيرة أهل المودّة والوفاءِ والرحمة.
نعم، في
وسط هذه الضوضاء العشوائية التي تحاصر المجتمعَ مِن كل جانب وتدعوه إلى
الاسترسال في الغواية والضلال، يرتفع مِن خلال الكلمات صوتُ المؤلف
"مطانيوس ناعسي" مشحوناً بمشاعر ساميةٍ تتمثّلُ بسيرة أبطال هذه الرواية،
فإذا كل منهم ينطلق بأقواله وأعماله من أَصالةٍ إنسانية لم يتمكّن طوفان
المفاسد من إغراقها في أمواجه الطاغية، وإذا هم عائلةٌ إنسانيةٌ أشبهُ
بياسمينةٍ أغصانُها تتشابك وأوراقُها تتباوس وأريجُها يعطّر الفضاء، وإذا
ما يرويه المؤلّف عن أبطال روايته في هذا الزمن الجافّ أشبهُ بسحابة فوق
أرضٍ قاحلة.
يبدو
لقارئ هذه الرواية أن المؤلف كتَبَها بدافعٍ إنسانيّ خالص، لا لمجرّد
الرغبة في أن يكتب روايةً أو ينشر كتاباً يحملُ اسمَه كما هي الحال لدى
الكثير الكثير من أصحاب المطبوعات في هذه الأيام. وعلى الرغم من أنه لم
يحترف الكتابة قبل الآن، تراه في هذه الرواية بارعاً في تصوير الحالات
الداخلية التي يحياها أبطال حكايته، قدر ما هو بارع في وصف المرئيات
الخارجية، المتحركة والجامدة.
وعلى هذا،
نأمل أن يمتعنا "مطانيوس ناعسي" بمزيد من الروايات والأقاصيص وهو أهل لذلك.
جورج جرداق
-----------------------------------------------------------------------------------
الفصل الأول
استرخيا
على كنبة وثيرة وذراعه تطوّق عنقها العاجي بحنان، ويده تمسّد خصلات من
شعرها الحريريّ الأسود التي انسدلت على أيسر صدرها.
-
أما زلت تحبّني؟
-
أكثر من أي وقت مضى.
-
بعد كلّ تلك السنوات؟
-
بعد.. كلّ.. تلك.. السنوات.. نعم.. قال "فادي" بكلّ ثقة.
-
وكيف ذلك؟!
-
ما يُبنى على صخر، وهو صخر، يصمد في وجه العواصف والأنواء فيصبح الدهر له
حارساً، والزمان خادماً.
-
أتعتقد ذلك؟
-
نعم... فعلاقتنا بناء شيّده العقل، بحجارة المنطق، فوق صخور الحب.
-
كلامك شاعري وعذب كالعادة أيّها المحتال.
-
أنا محتال؟!
-
وفنّان في ذلك أيضاً. قالت "لينا" وهي تضحك.
-
أف! ألهذه الدرجة؟
-
طبعاً! وكيف لا؟ وحبّي لك يزداد يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة، فينمو ويشبّ
في جوارحي نمو شجرة مثمرة في أرض خصبة؟ فمنذ ثماني سنوات تعرفت إليك، وها
أنا حتّى اليوم لا أعرف له مراوحة أو تراجعاً! أفلا تكون محتالاً بتحقيقك
ذلك؟
-
لا، لا، لا، ساحرٌ فقط.
-
متواضع! و"الله" متواضع!
قالت ذلك
وهي تقرصه في بطنه، لينتفض متألماً ضاحكاً ملء فمه، محاولاً منعها من فعل
ذلك مرة أخرى وهو يقول:
-
لا يمكنني أن أكون دائم التواضع أمامك!
-
ولماذا يا ترى؟ أفهمني يا فيلسوفي العزيز.
-
حفاظاً على التوازن بيننا!
-
توازن ماذا أيها الثعلب؟
-
القُوى!
-
القوى؟
-
في السّحر.
-
مهرّج.
-
لا لست مهرّجا. فالرجل في حضرة ساحرة مثلك، عليه أن يرفع من شأن نفسه
بإلقائه الضوء على مزاياه، ولو بدا ذلك وقحاً بعض الشيء. حفاظاً على
التوازن لا أكثر...
-
محتال ومهرّج.
-
عظيم، إذا أكملنا على هذا المنوال سننتهي إلى لائحة صفات غير مشرّفة لا
نهاية لها.
-
لا مانع عندي.
قالت ذلك
وحاولت قرصه مرة أخرى في بطنه، لكنّ يده منعتها من ذلك، فغافلته يمناها
وبسرعة محققة واحدة خاطفة في فخذه الأيسر صرخ لها صرخة اخترقت الجدران
وتبعتها قهقهات من الاثنين طرب لها الأثاث من حولهما، وردّدت صداها الحيطان
البكماء قبل أن تستطرد "لينا" قائلة وبجدّية هذه المرة:
-
"فادي" أشعر بنفسي جاهزة للإنجاب!
-
ما... ماذا؟! أتعنين ذلك يا حبيبتي؟!
-
وللتفرّغ لتربية الطفل أيضاً!
-
لا أصدّق ما أسمع!
-
بلى، صدّق.
-
لكن، وحتى
الأمس
القريب كنت تستمهلين، وتماطلين، وتتحاشين كل محاولة مني في هذا الصدد...
أما كنت
تقولين: لا أريد أن أقسم قلبي بين حبيبين؟ ولا أريد أن أهتم بولدي على حساب
اهتمامي بزوجي؟ ولن أنجب قبل أن أفرغ من تربية ولدي الكبير، وأطمئن إلى
استقرار عواطفه؟ وأنه يجب أن نتمتّع بحريتنا أطول وقت ممكن قبل أن نصبح
مسؤولين عن طفل نأتي به إلى هذه الحياة؟
-
بلى، لكنّني وبعد أن مضى على زواجنا سنتان تقريباً أعتقد أن الوقت قد حان
لمناقشة الأمر بجدية،
وبخاصّة
بعد حوارنا الأخير حول المفاجآت غير السّارة التي تحملها الحياة في جعبتها
معظم الأحيان، وقانا الله شرها.
-
حبيبتي هذا أجمل ما سمعته منذ زمن.
قال ذلك
وقبّلها قبلات حارة على رأسها الذي ما زال مرتاحاً إلى صدره واستطرد:
-
هل يعني ذلك أن ننهض الآن ونذهب إلى الفراش لنبدأ المحاولات؟
-
محتال، ومهرّج، وغبيّ أيضاً؟ قالت وهي تضحك.
-
ماذا الآن؟
-
ألا تجيد الحساب؟
-
أف، بلى، لن تنفع المحاولة اليوم؟
-
لا لن تنفع، يؤسفني أن أبلغك أنّه عليك أن تنتظر أياماً قبل أن تبدأ
محاولاتك لنرى مدى خصوبتك.
قهقها
معاً من جديد قبل أن يقول "فادي" بخبث:
-
لكننا نستطيع أن نتمرن ما دمت لم تدخلي بعد تلك الفترة الصعبة.
-
ممكن.
فراح ينهل
من شفتيها ما استطاع من رحيق، وهو ينزع عنها ملابسها الخفيفة ليظهر تحتها
ما فاق جماله كلّ تعبير ووصف، وحولهما الملائكة يرقصون ويشجعون الزوجين على
غرف ما طاب لهما من لذّات.
بعد ساعة
أطفأت النشوة خلالها نار الشهوة التي استعرت بينهما أكثر من مرّة، قالت
"لينا" وهي تلتقط أنفاسها المتقطعة:
-
كان ذلك رائعاً!
-
فعلاً!
-
أعتقد أن هذا التمرين مفيد إذا ما كرّرناه بضع مرات خلال الأيّام القليلة
المقبلة، ألا تعتقد؟
-
لا شكّ في ذلك... لا شكّ أبداً في ذلك، فحسن التنفيذ يساهم في إنجاب نوعيّة
أطفال أفضل.
ضحكا
كثيرا من سخافة الفكرة الأخيرة إلى أن أقفلت ثغريهما قبلة ساخنة تبادلاها
تعبيراً عن مدى امتنان كلّ منهما على ذلك الوقت الحميم والجميل الذي أمضياه
معاً قبل أن يقول "فادي":
-
حبيبتي، غداً سنلبّي دعوة "آل ماضي" إلى العشاء، أليس كذلك؟
-
طبعاً؟
-
وماذا سترتدين للمناسبة؟
-
سأرتدي فستاناً أحمرَ طويلاً يبرق كعينيكَ الجميلتين.
-
إذن ليكن الله في عون من يراكِ غداً.
-
حقاً؟
-
جمال على جمال! سحر على سحر! تألق على تألق! هذا يفوق قدرة الكثيرين على
الاحتمال من نساء ورجال! صدّقيني، أحياناً، عندما أراقب عيون الناس الحاسدة
لك والراغبة فيكِ، أشعر بالاشمئزاز والاعتزاز معاً، فما رأيك في هكذا حالة؟
-
م م م م تشخيصي لمرضك بعد طول تحليل يقول إنك تعاني من داء الغيرة، و"ضيق
العين"، والأنانية، وهذه الحالات ميؤوس منها وهي غير قابلة للشفاء.
-
شكراً لك. طمأنتني أيتها الطبيبة النفسيّة البارعة. أنصحك بالرسم فقط فهو
اختصاصك، وبعدم التعدّي على مجالات الآخرين.
-
ألم يعجبك تشخيصي يا حبيبي؟ أو أنّك لمست فيه واقعاً تودّ أن تتجاهله؟
-
لا هذا ولا ذاك، فقط ثابري على الرسم وابتعدي عن الطب،
“OK”؟
-
“OK”.
يا مريض جمالي.
-
مدَعية!
-
"بيلبقلي".
-
أمر لا أشكّ فيه. نخرج غداً إلى العشاء، "بالفيراري" الحمراء؟
-
نعم. "فادي"، هل تذكر أننا مدعوان إلى عشاء آخر بعد يومين؟
-
أيّ عشاء؟
-
عشاء الجمعية لهذا العام، العام "1990"، أنسيت؟!
-
آه صحيح.
-
سنذهب أليس كذلك؟
-
طبعاً. لا يمكنني التخلّف عن مناسبة كهذه كما تعلمين.
-
أكيد، فهو عشاء خيري، سأرتدي لتلك المناسبة فستاناً... م م م م أبيضَ، ما
رأيك؟
-
عظيم فليكن الله أيضا في عون أولئك الذين سيكون لهم شرف رؤيتك بينهم.
-
كفى هراء ومزاحاً وهيا بنا لننام.
-
تعديني إذاً أن نبدأ محاولات حثيثة سعياً لأن تحملي بطفل بعد طول انتظار؟
-
إن شاء "الله".
-
يا إلهي، أنا سعيد جداً لقرارك هذا.
-
وأنا أيضاً، تصبح على خير يا حبيبي.
-
وأنت بألف خير يا حبيبتي.
وأغمضا
عيونهما بعد أن تلامست شفاههما بقبلة أخيرة ليستسلما لنوم هانئ وعميق.
تخطّت
الساعة الخامسةَ عصراً، موعد مغادرته المكتب، وهو يستقبل ويودع زوّاره دون
كلل أو ملل أو تذمّر، إلى أن رنّ جرس الهاتف فرفع السماعة وقال:
-
ألو
-
حبيبي، تأخرت! الساعة تجاوزت السادسة والنصف مساء!
-
عذراً، عذراً حبيبتي سرقني العمل، سأترك المكان الآن لأصل إليك خلال نصف
ساعة.
-
حسناً "فادي"، لكن رجاء قُد بروية.
-
وهو كذلك، إلى اللقاء.
توجّه نحو
المنزل فبلغه كما وعد زوجته، فاستقلا "الفيراري" الحمراء، بعد أن استحمّ
وبدّل ملابسه على عجل، وانطلقا.
تألقت
"لينا" ذلك المساء بفستانها الأحمر تألق الياقوت. وأسر "فادي" الحضور إلى
جانبها بقامته المديدة وطلّته البهية، وحديثه اللبق، فكان ذلك العشاء
مناسبة رائعة، لقيا فيها كل الحفاوة والاهتمام. لا بل كانا محطّ أنظار
وإعجاب جميع الموجودين حيث تركا في قلوبهم أبلغ الأثر، لما زرعه الله فيهما
من خصال حميدة، ولما وهبهما من جمال ومالٍ، وعزّ، وجاه.
عادا إلى
منزلهما، ومارسا الحب وهما يضحكان من فكرة التمارين المفيدة للحمل قبل أن
يناما ملء أجفانهما.
عصر اليوم
التالي تأهّب "فادي" لترك المكتب بعد أن أمضى فيه يوماً ناشطاً وحافلاً
بالعمل وإذ بجرس الهاتف يرنّ.
رفع
السماعة وقال:
-
ألو نعم.
فطالعه
صوت "لينا" يسأله بعذوبة مفرطة:
-
"فادي" حبيبي هل ستتأخر اليوم أيضاً؟
-
ملاكي، كنت على أهبة الانصراف، فلن أترك سيدة رائعة الجمال تنتظرني وحيدة
لأغرق نفسي في أعمالٍ أو انشغالاتٍ تافهة كما فعلت البارحة.
-
م م م م أنت محقّ فمن يفعل ذلك معتوه دون أدنى شك، أليس كذلك؟
-
طبعاً، طبعاً، أجاب ضاحكاً.
-
حسناً، سأكون بانتظارك.
-
مسافة الطريق وأكون في حضنك، عفواً، في المنزل، بإذن الله، وسيكون لدينا
الوقت الكافي لنحتسي معاً فنجان قهوة قبل أن نخرج إلى العشاء،
“OK”؟
-
“OK”...
-
على فكرة حبيبتي، أطلبي من "أبو سمير"، لو سمحت، أن يجهّز المرسيدس البيضاء
"الكوبيه" ما دمت سترتدين فستاناً أبيضَ، ما رأيك؟
-
من قال إنني سأرتدي ثوباً أبيضَ؟
-
أنتِ فعلتِ أول البارحة، هل نسيتِ؟!
-
يا إلهي، هذا صحيح، لقد غاب الأمر عني كلياً.
-
للأسف خرف مبكر جداً، قال ضاحكاً.
-
ماذا قلت أيها المحتال؟
-
لا شيء، لا شيء، قلت فقط، إن ذلك قد يكون خرفاً مبكراً.
-
حسناً، سوف أريك قيمة نفسك فور وصولك إلى هنا.
-
أصبو إلى ذلك يا عزيزتي وإلى ما سألقاه من لذيذ العذاب بين يديك، قال
بتهكّم.
-
بائع كلام شاطر.
-
أنا بائع كلام؟
-
ومتمرّس في ذلك أيضاً.
-
سامَحَكِ الله، أعتقد أن تمارين الإنجاب التي نمارسها تؤثر على ذاكرتِكِ
فتجعلك تنسين بعض الأمور.
-
كفاك ثرثرة. هيا أقفل الخط وانطلق، لكن قد بروية، هل تسمع؟
-
حسناً. لا تنسي "أبو سمير"، عليك أن تفهميه بوضوح أننا نريد لسهرة الليلة
المرسيدس.. البيضاء.. "الكوبيه".. وليس غيرها، فقط طعن في السنّ ولم يعد
يميّز بين "الدابة والدبابة" ويرفض أن يتقاعد ويرتاح كي لا يتركني وحيداً،
فهو على حدّ قوله لم يفارقني يوماً منذ فتحت عيني على هذه الدنيا، ولن يفعل
وفي صدره بقايا رمق، وفي جسده بقايا عزم. والأغرب، أنه لا يقبل معاوناً لأن
ذلك وحسب زعمه هدر للمال لا طائل منه، وأنا لا أريد كسر خاطره، لذلك أرجوك
أن تتأكدي وعلى طريقتك، أنه فهم عن أية سيارة نتكلم، وإلا ستجدين واحدة
أخرى في انتظارنا.
-
حسنا، إلى اللقاء.
-
إلى اللقاء حبيبتي.
أقفل
الخط، وحمل حقيبته، وهمّ بترك المكتب، فاستوقفته سكرتيرته قائلة:
-
أستاذ "فادي"، لديّ طلب لو سمحت.
-
تفضّلي منى.
-
أمي مريضة، وعليّ أن أرافقها بعد غد إلى المستشفى، فهل هذا ممكن؟
-
طبعاً، لكن خير إن شاء الله... ما بها؟
-
لم نعلم بعد، إنّها تعاني منذ أيام آلاماً في المعدة، لذلك طلب الطبيب
إجراء بعض الفحوصات.
-
فلتحلّ "عبير" مكانك بعد غد، وأتمنى لوالدتك الشفاء العاجل. أنقلي لها
تحياتي، لا تنسي.
-
طبعاً، طبعاً، شكراً لك يا أستاذ، شكراً لك.
-
لا شكر على واجب يا منى، إلى اللقاء.
-
إلى اللقاء... قالت قبل أن تتمتم:
-
إلهي كم هو ساحر وجذاب هذا الرجل فهنيئاً لزوجته به. ربي ضع شخصاً مثله في
طريقي يحبّني ويتزوّج بي. أنعم علي بشريك حياة ينتشلني بحبّه من رتابة
أيامي، وبماله من فاقتي.
هذا ما
كانت تتمناه "منى" وهي تودّع بنظرها من تعتبره زينة الرجال، وقبلتهم، وهو
يغيب خلف الباب مغادراً.
استقلّ
"فادي" سيارته الـ "ب أم دبليو" وانطلق بها، ودعاءات "عبدو"، الرجل المسكين
الذي ينتظره يومياً في المرآب طمعاً ببعض المساعدة الماديّة تلاحقه،
وتتناهى إلى مسامعه وهو يطلب له من العليّ القدير الصحّة وطول العمر.
-----------------------------------------------------------------------------------
الفصل الثاني
انعطف
بالسيارة يميناً تاركاً الطريق السريع وراءه وبدأ تسلّق الجبل في طرقات
متعرّجة وضيّقة تكثر فيها المنعطفات الخطرة.
كان الطقس
ممطراً، والطرقات زلقة، والليل الشتوي الطويل قد أرخى سدوله السوداء على كل
مكان، عندما طوى "فادي" تلك المسافات ذلك المساء نحو "فيللته" الرابضة
بهيبة وجلال على إحدى القمم، واحدة من كثيرات غيرها تحتلّ هامات ذلك الجبل
الأشم.
كانت
الشاحنة تهبط الجبل نزولاً نحو الساحل وقد خرجت سرعتها عن كل سيطرة،
وسائقها المخمور يترنح ويتمايل في مقعده خلف مقودها تفاعلاً وطرباً مع
الموسيقى التي صدحت من الراديو، وقد ضعف تركيزه وشلّ تفكيره تحت تأثير
الخمر ويده تقبض على عنق زجاجة "الويسكي" التي بات نصفها الفارغ في جوفه.
أما
"فادي" فكان يقترب بسيارته من المنعطف نفسه، وهو يقود باتّزان ووعي كما
أوصته زوجته عبر الهاتف في آخر حديث لهما.
وكان
القدر هناك في مكان ما يقيس المسافة بين العربتين بالأمتار والثواني، ويدرس
سرعة الهواء، وكثافة المطر، وعرض الطريق، ومعدّل الرؤية، وفاعلية مصابيح
المركبتين، وإطاراتهما، ومكابحهما. يدرس كل شيء ويتدخل في كل شيء، حتى في
نوعية الموسيقى التي طرب لها سائق الشاحنة الأرعن.
خطّط
القدر كل ذلك لضمان وقوع الحادث الذي أهدر على تدبير ظروفه المؤاتية
وتوقيته المناسب، جهداً كبيراً.
أفلا
تكفيه تدخلات العناية الإلهية، التي لطالما منعت حدوث ما يجب أن يحدث
لأسباب لا يفهمها، وحكمة لا يدركها، خلال الأزمنة والعصور الغابرة والسنوات
الماضية؟
بلى،
تكفيه تلك التدخلات، ولن يسمح للمفاجآت بإعاقة مهمته، بعد أن توافرت
العناصر المطلوبة لحادث مميّز.
لذلك وقف
بقلق عند ذلك المنعطف، ينتظر بنفاذ صبر اللحظة الحاسمة وهو يتلو عكسيّاً:
"تسعة،
ثمانية، سبعة، ستة، خمسة، أربعة، ثلاثة، اثنين، واحد...
ممتاز!
حادث ولا أروع ! "
فالشاحنة،
بعد أن صدمت السيارة وداست بإطارها الأمامي الأيسر غطاء محرّكها والزاوية
الأمامية اليسرى لسقفها، انقلبت على جانبها الأيمن مندفعة نحو حاجز الحماية
إلى جانب الطريق، مخترقة إيّاه، لتهوي إلى الوادي السحيق حاملة معها سائقها
المخمور إلى الأبديّة وقنينة "الويسكي" في يده.
أما سيارة
"فادي، فبقيت إلى الجهة اليمنى من الطريق مدهوسة "مهروسة" وهو في داخلها،
أصابه ما أصابها، هي التي بدت للناظر علكة بصقت هناك بعد طول مضغ.
كم هو
عابث وماجن ذلك القدر المجنون المكلّف بتنفيذ ما هو مقدّر ومكتوب وبشكل
مبالغ فيه في كثير من الأحيان.
فهو
الجندي الذي يحتلّ رقعة أرض معادية تنفيذاً لأوامر مرؤوسيه، فيشنّع في
سكانها العزّل دون أن يضيف شيئاً إلى نصره إلا ما شحن في داخله من ظلم
وظلام وشر.
هو
الجلاّد الذي ينفّذ أمر الجلد بأحدهم فلا يتوانى عن استعمال أقصى قوّة في
ساعده كي تترك ضربات سياطه على جسد المحكوم أعمق "الثلوم" النازفة، وأوسع
الأخاديد الدامية، ليروي بذلك ظمأ نفسه إلى الدماء، وشوق أذنيه إلى صرخات
الألم، بحجّة أنّه ينفّذ الأوامر. هو القاتل المأجور الذي ينفّذ حكم
الإعدام في نفس بريئة، فينكّل بها، ويتفنّن في قتلها، ليس تنفيذاً للأمر
كما صدر، بل تنفيساً لبعض الغضب الأعمى الذي يسكن صدره وعقله.
هو من
يحمل كلّ القبح وكلّ الجمال. وجهان لعملة واحدة غايتها التلاعب بكل حياة
وجماد.
فرغت جعبة
"لينا" من الأعذار المطمئنة التي كان تهدئ النفس بها، فنهشها القلق والخوف
من حدوث مكروه لزوجها وهو في طريقه إليها، والساعة قد تجاوزت الثامنة
والنصف ليلاً ولم يصل بعد. هي التي تبرّجت وتزيّنت، وارتدت فستانها الأبيض،
وجلست تنتظره منذ أكثر من ساعتين بدتا لها دهراً لا ينتهي، وكانت على حق في
قلقها وخوفها، "ففادي" وقع له مكروه... وأي مكروه.
كانت تجهل
حينها حجم الانقلاب الذي حصل، أو حجم الكارثة التي حلّت.
كانت تجهل
هول المصيبة، وحجم العاصفة المدمّرة التي هبّت.
كانت تجهل
أن أحلامها تبخّرت في لحظة، وسعادتها دكّت في ومضة.
إلى أن رن
جرس الهاتف، فهرعت إليه ورفعت السمّاعة قائلة بلهفة:
-
ألو نعم.
-
آلو، منزل آل "المجد"؟
-
نعم من المتكلم؟
-
عامل هاتف مستشفى الساحل يا سيدتي، من معي على الخط؟
-
أنا... أنا السيدة "المجد"، ما... ما... الأمر؟
-
سيدتي حضرتك زوجة السيد "فادي المجد"؟
-
نـ... نـ.... نعم.
-
زوجك هنا في المستشفى إثر حادث سير. أحضروه إلينا منذ قليل وأخشى أنّه في
حالة الخطر الشديد فأرجو حضورك على جناح السرعة.
-
خطر... شديد... يا إلهي... ك...؟
لم ينتظر
عامل الهاتف سؤال "لينا"، فاقفل الخط وفتح غيره مع آخرين من أهل المرضى
والمصابين، فلائحة بلاغاته للّيلة طويلة وحافلة عليه أن ينهيها في أسرع وقت
ممكن. ولا مجال لإطالة الحديث مع المنكوبين عموماً، ولا لمؤاساتهم، "فما
على الرسول إلا البلاغ". معذور أليس كذلك؟
هرولت
"لينا" إلى خارج المنزل رافعة بأطراف أصابع يديها فستانها الأبيض الطويل
الذي يلامس الأرض، وهي تصرخ بصوت مذبوح مخنوق ومتهدّج:
-
"أبو سمير" "أبو سمير" المفتاح يا "أبو سمير"، أين أنت؟ مفتاح السيارة يا
"أبو سمير"، أين أنت؟ المفتاح، المفتاح...
-
ظهر الرجل العجوز من خلف باب المرآب وهو يهرول نحوها وفي يده فوطة كان
يلمّع وينظّف بها إحدى السيارات وإمارات القلق تعلو وجهه، ووطأة السنين
تعيق سرعته، وهو يقول:
-
ما بالك يا ابنتي، خير؟
-
المفتاح يا "أبو سمير" المفتاح هيّا أسرع.
-
ماذا هناك يا ابنتي، أخبريني؟ قال ويداه في جيبي بنطاله تبحثان عن مفتاح
السيارة البيضاء "الكوبيه".
-
"فادي" يا "أبو سمير" حبيبك "فادي"... يا الهي لا أصدق.
-
ما به يا سيدتي، تكلمي؟ قال "أبو سمير" وهو يناولها المفتاح.
-
حادث... حادث... وهو في خطر، يا الله ارحمنا. ارحمنا.
-
حادث... خطر... "فادي"؟ يا الهي، نجّنا يا رب! نجّنا يا رب!
انطلقت
بالسيارة كالسهم، و"أبو سمير" يمطرها بالدعاءات، ودموعه على خديه، دموع رجل
خبر الحياة سبعين عاماً، وقد تكون هذه أكبر مصيبة يشهدها، "ففادي" أقرب إلى
قلبه من ابنه "سمير"، ولا شك لديه في ذلك، ولطالما كان الأمر هكذا.
تجاوزت
"لينا" السيارة المحطمة دون أن تلحظها، التي كان قد ركنها رجال الدفاع
المدني قرب الصخور إلى جانب الطريق، فالدموع التي كانت تنهمر من عينيها
لتمسحها تارة بيمناها وطوراً بيسراها وهي تقود، كادت تفوق بغزارتها كمية
الأمطار التي كانت ماسحتا الزجاج الأمامي للسيارة تزيلها عنه في بعض
الأحيان. بلغت المستشفى في وقت قياسي وراحت تركض في أروقتها بحثاً عن غرفة
الإنعاش والعمليات حيث "فادي"، وكان صوت وقع خطواتها وهي تنتعل حذاء السهرة
يعلن لسامعه نوع السباق الذي كان بينها وبين الوقت.
اجتازت
الرواق العريض والطويل، وبلغت الباب الكبير ذي المصراعين، فاندفعت إليه
وحاولت فتحه... لكنّه كان موصداً. قرعته بيدها... لا مجيب.
حاولت
مرة... واثنتين... وثلاث مرات بإلحاح وعصبية... لا مجيب...
استدارت
لتعود إلى مركز الاستعلامات وقد اعتقدت أنها أخطأت الطريق، أو الغرفة، أو
الاثنين معاً، فرأت رجلاً بملابس بيضاء من رأسه إلى أخمص قدميه، يدفع
بحمّالة شاغرة إلا من بعض الملاءات المطويّة بعناية، فهرعت إليه قبل أن يصل
إليها قائلة.
-
سيدي هل خلف ذلك الباب قسم الإنعاش والعمليات؟
-
نعم سيدتي.
-
هل خلفه يعالجون الرجل الذي...؟
-
آه، الرجل الذي صدمت الشاحنة سيارته؟
-
شاحنة؟!
-
نعم. مسكين. هو محطّم شر تحطيم. لكن من حضرتك؟
-
من أنا؟ أنا المسكينة، أنا المنكوبة، أنا زوجته.
قالت ذلك
وهي تلطم خديها بكفيّها حيناً، وتجذب شعرها بيدها بعصبية حيناً آخرَ، قبل
أن تتهالك على أحد الكراسي المصطفّة إلى جانبي الرواق.
-
آسف سيدتي.
-
هل ستدخل إلى قسم العمليات الآن؟
-
نعم.
-
لقد قرعت الباب، ولم يفتحوا لي.
-
ألم تقرعي الجرس؟
-
أي جرس؟
-
هذا الذي قرب الباب، على الحائط الأيسر.
-
لم أره، لم أره.
-
على كل حال، لا يمكنك الدخول إلى هناك، قال وهو يقرع الجرس.
-
أرجوك، دعني أدخل معك لأراه، ولو لدقيقة.
-
مستحيل يا سيدتي، مستحيل.
-
أرجوك...
-
سيدتي... ممنوع منعاً باتاً، وأنصحك ألا تفعلي ولو وجدت سبيلاً إلى ذلك
فحالته تفوق قدرتك على الاحتمال. لكن اطمئني، فالأطباء الذين معه في الداخل
من خيرة أطباء البلاد ولن يوفّروا جهداً في سبيل إنقاذه.
-
يا الهي.
انفرج أحد
مصراعي الباب الكبير فدخله الممرّض مع حمالته الشاغرة دون أن يسمح "للينا"
بالدخول معه، فتهالكت على أحد الكراسي باكية، وصوت نحيبها تردده حيطان ذلك
الرواق الكبير الفارغ، ليختلط بصراخ تناهى من غرف بعيدة تعجّ بالمرضى
والمتعبين وبآلامهم ومآسيهم.
جلست على
ذلك الكرسي ساعتين وحيدة، ممرّضون خارجون، أطبّاء داخلون، أطبّاء خارجون،
ممرّضون داخلون، أطبّاء وممرّضون خارجون، ممرّضون وأطبّاء داخلون... ولا
أجوبة!
-
هل سيحيا؟
-
لا نعلم
-
هل سيموت؟
-
الأعمار بيد الله.
-
ماذا تعتقدين أيتها الممرضة هل سينجو؟ أيتها الممرضة... أيتها الممرضة...
-
مسكين. قالت وهي تهرول مبتعدة عنها.
-
استحلفكَ بالله أن تطمئنني، هل هناك بريق أمل حضرة الطبيب؟
-
لا أستطيع أن أعدك بشيء سيدتي فوضعه صعب، صعب. داخلون خارجون، خارجون
داخلون. وجوه باهتة، وجوه مكفهرّة، وجوه صفراء، وجوه ذابلة. لكن، لا وجوه
واعدة. فقط بضعة وجوه ضاحكة من نكات يتبادلها أصحابها فيما بينهم، وهم
يدخلون، ويخرجون. أولئك هُمُ الذين أضحت رؤيتهم للدماء تقليداً، وللأجساد
الممزّقة روتيناً.
فأمست
قلوبهم حديداً، ومشاعرهم صخوراً، وعواطفهم إسمنتاً.
تأرجح
"فادي" بين الموت والحياة في غيبوبة دامت ستة أسابيع كاملة كانت خلالها
الآراء والتقارير الطبية تتضارب.
فأجريت له
عمليات جراحية عديدة إثر عودته منها، وطالت إقامته في المستشفى لتبلغ
ثمانية أشهر كاملة، ثمانية أشهر من العذاب والألم والقلق له، ولمن حوله،
وبخاصة لزوجته التي لم تكن تفارقه، والتي كانت تتلقى يومياً التقرير تلو
التقرير، والتشخيص تلو التشخيص، خالية من أي بريق سعيد أو أمل بعيد ما عدا
الوعد بأن "فادي" سيعيش! لكن كيف سيعيش؟ هنا السؤال.
عاد إلى
منزله برفقة زوجته خيالاً للرجل الذي كان، وظلاًّ لمن تمتّع حتى الأمس
القريب بكل صحّة وعافية وشباب. عاد ومعه تقرير فيه خلاصة نهائية لحالته
وتوصيف دقيق لها يقول:
السلبيات:
1 – تلف
جزئي في الدماغ!
2 – عامود
فقري محطّم!
3 – جهاز
عصبي ميت!
الايجابيات:
1 – حاسة
النظر: سليمة!
2 – حاسة
السمع: سليمة!
3 – حاسة
الشم: سليمة!
4 – حاسة
الذوق: سليمة!
5 –
العقل: سليم!
6 – أعضاء
داخلية: سليمة!
النتائج:
شلل كامل
على مستوى الجسد كلّه.
النطق
حشرجة غير مفهومة.
-----------------------------------------------------------------------------------
A
LETTER TOO MANY?
|